الجمعة، 6 مايو 2011

زلزال اليابان..هل يوقف النووي العربي؟ نشرت بجريدة الراية القطرية بتاريخ 03-04-2011م


زلزال اليابان..هل يوقف النووي العربي؟
بقلم: سامي زكريا
كاتب وباحث مصري
Samy583@hotmail.com
الزلزال المدمر الذي اجتاح اليابان وخلف آلاف القتلى والجرحى في شهر مارس الماضي لن تتوقف تداعياته وارتداداته -التي عادة ماتتبع الزلازل- على اليابان فقط، بل ستمتد آثاره لدول العالم أجمع، ومنها بالطبع الدول العربية.

الزلزال العنيف والذي بلغت قوته 8.9 على مقياس ريختر، بالإضافة إلى ماخلفه من قتلى وتدمير جزر بأكملها بعد أن اجتاحها الماء الهادر بارتفاع وصل لعشرة أمتار تقريباً، تأثيره الأشد وطأة وخطراً على البشرية يكمن في المفاعلات النووية التي تأثرت بعنف من قوة الزلزال وتصدعت أجزاؤها، وتوقف نظام التبريد فيها مما يهدد بانفجارها في أية لحظة، ولذلك تقوم السلطات اليابانية وفي سباق مع الزمن باستخدام كافة الوسائل الممكنة لتبريد المفاعلات لتجنب الانفجار الذي قد تنتشر الجزيئات الالكترونية الناتجة عنه إلى العالم كله، وبالتالي التأثير على جميع الكائنات الحية وبالطبع منها الإنسان.

المواطن الياباني كانت البداية لديه في مياه الشرب التي تعدى التلوث فيها المستويات المسموح بها دولياً، ثم بدأت السلسلة الغذائية تتأثر من مأكولات وغيرها ليمتد الخطر لمياه المحيط الهادئ القريبة من المفاعلات والتي ستنقل هذه التأثيرات الخطيرة عبرالتحركات والتيارات المائية إلى أبعد نطاق ممكن.

ماحدث باليابان له تأثيره على العالم العربي والذي بدأت أبعاده بحظر العديد من الدول استقبال السلع اليابانية في الوقت الحالي، ووصل الأمر لمراجعة المخططات النووية لدى عدد منها، وهنا مكمن الخطورة في منطقتنا لأنه سوف يتزايد النقاش مرة أخرى، هل نستطيع بناء مفاعلات ذرية وبنسبة أمان عالية؟، أم نبتعد عن هذه التكنولوجيا المتطورة بكل ما فيها من طاقة عالية وفتح مجالات مدنية وعسكرية لأن عدم السيطرة عليها سوف يؤدي إلى رعب فعلي يظل لآماد طويلة؟.

الكارثة النووية اليابانية ليست الأولى في العالم فقد سبقتها كارثة تشيرنوبل التي حدثت في أوكرانيا أيام الدولة السوفيتية قبل انهيارها، وسببت ذعراً في العالم كله وأدت إلى توقف البرامج النووية في العديد من الدول ومنها دول أوروبية أعلنت تجميد برامجها لإنشاء محطات نووية أخرى، وكانت مصر قد بدأت فعلياً في ذلك الوقت بوضع الأسس لبدء إقامة أول مفاعل ذري، ولكن كارثة تشيرنوبل تسببت في تأجيل المشروع ووضعه على الأرفف لسنوات، حتى عادت الفكرة في السنوات الأخيرة بضغط شعبي ودعم رسمي بعد أن أصبحت دول عديدة في دائرة الدول النووية ومنها بالطبع إيران التي طورت برنامجها والمعلن عنه أنه للطاقة للسلمية، وكذلك عدم انصياع إسرائيل لمطالبات مصر والدول العربية بجعل منطقة الشرق الأوسط خالية من النشاط النووي، لذلك أضحت مصر ليست بمنأى عن التهديد النووي المحيط، وفي كل الأحوال أصبحت مطالبة بتأمين نفسها بقوة ردع وكذلك توفير الطاقة من سبل أخرى غير النفط وكهرباء السد العالي الذي بدأ يتهدده إقامة إثيوبيا السدود التي ستؤثر على حصة مصر من مياه النيل وبالتالي التأثير على إنتاج الكهرباء من السد العالي عاجلاً أم آجلاً.

مصر وبعض الدول العربية بدأت في العام الماضي التخطيط الفعلي لإقامة مفاعلات نووية للأغراض السلمية ومنها السعودية والإمارات، ووجدت دعماً من قبل العديد من الدول الأوروبية للإقدام على هذه الخطوة، بل إن مصر أعلنت عن مناقصة دولية لإقامة أول مفاعلاتها في منطقة الضبعة، بعد أن استقر العلماء على هذه المنطقة كأفضل مكان لإقامته، ولكن في ظل ماحدث باليابان وعدم قدرة المارد الياباني الجبار في التكنولوجيا العلمية بشتى صورها على التعامل مع ماحدث لمفاعلاتها قد يكون تحذيراً للدول العربية بأن صعوبة إقامة المفاعلات النووية لاتقل أيضاً عن صعوبة التعامل مع هذه المحطات إن لاقدر الله حدث بها أي تسرب كما هو الأمر الآن باليابان وكما حدث بكارثة تشيرنوبل من قبل في عام 1986 وأدت لوفاة الآلاف متأثرين بالإشعاعات المتسربة من المفاعل بعد انفجاره، ومازال تأثيره قائماً حتى يومنا هذا، أم لدى حكوماتنا إجراءات للسلامة والأمان تجنب المنطقة ما قد يحدث مستقبلاً، وخصوصاً ان منطقتنا بعيدة عن حزام الزلازل التي تقبع اليابان في دائرته، أم أن الخطر النووي الإسرائيلي سيظل ماثلاً ومهدداً وبالتالي فلابد من موازنته ومجابهته بإقامة هذه المفاعلات، لأن الخطر ماثل في كل الأحوال بالمفاعلات الإسرائيلية وغيرها التي أقيمت في المنطقة.

التهديد إذن قائم ولن يوقفه إلا إزالة المفاعلات الإسرائيلية ومثيلاتها أو إقامة التوازن على الأرض بإقامة المفاعلات العربية.
وكلا الأمرين يحتاج لدراسة علمية تشمل جميع التخصصات العلمية والاجتماعية في العالم العربي، أو إقامة مؤتمر تقدم فيه البحوث المختلفة التي يبت فيها على رأي واحد في نهاية جلسات المؤتمر، فهل يحدث ذلك من أجل مستقبل هذه الأمة وإنسانها؟.

وماذا بعد جنوب السودان؟ نشرت بجريدة الراية القطرية بتاريخ16-01-2011م

بقلم: سامي زكريا  كاتب صحفي وباحث مصري
في يناير من عام 2003م أي منذ ثمانية أعوام كتبت بجريدتنا الغراء "الراية" مقالا بالمنتدى كان بعنوان " مأساة فلسطين .. هل تتكرر بالسودان؟" استشهدت بوعد بلفور بإقامة دولة لليهود في الثاني من نوفمبر عام 1917م ونفذ الوعد بعد عشرات السنين في مايو من عام 1948م وحذرت بعد استقراء للواقع العربي والتصريحات الغربية من تكرار الحدث نفسه بجنوب السودان .
 
وها نحن يقدر لنا أن نشهد النتيجة المتوقعة والتي ظل المسؤولون عن الشأن السياسي العربي يستبعدونها تماما بحجة أنهم يعرفون مآلات حدوث ذلك على الشأن العربي بأكمله، ولكنّ هناك فرقاً بين الأقوال والواقع، فعندما أُعلن عن الاتفاق بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية فيما سمي باتفاق نيفاشا الذي وقع بكينيا في سبتمبر عام 2003م وكان من أهم بنوده الرئيسية إجراء استفتاء بين أهل الجنوب على البقاء في سودان موحد أو الانفصال أيقنتُ أن الانفصال واقع لامحالة .
 

على المستوى الشخصي لأي إنسان إذا خير بين أن يكون مستقرا في منزل مستقل وبين أن يظل في منزل مع آخرين كلٌّ له أهواؤه وتطلعاته، سيختار أن يكون في منزله المستقل الذي لاينازعه أحد فيه، وهذا مايحدث الآن بجنوب السودان.
 

الحقيقة المُرة التي ينبغي أن يعترف بها الجميع في الدول العربية أن الجنوب أُهمل لعشرات السنين ، واهتم الغرب به اهتماما كبيرا لأهداف كان على رأسها إقامة حاجز بين العالم العربي في شمال القارة وإخوانهم الأفارقة، ولذلك كان سعيهم الدؤوب عبر المبشرين الذين عملوا بجد في جو حار على غرس المبادئ التي جاءوا من أجلها ومنها زرع الكراهية والتشكيك في قلوب الجنوبيين من إخوانهم في الشمال.
 

على مدى سنوات عديدة كانت الدول غير العربية هي الأقرب للجنوبيين في تلبية مطالبهم اليومية ومنها كينيا وأوغندا وغيرهما ، لذلك فإن مايحدث الآن هو نتيجة طبيعية لإهمال الجنوب على مدى عشرات السنوات ، فلا توجد طرق برية ممهدة ولاشركات للتسويق الزراعي ولامؤسسات تهتم بالانسان ،فالجنوبي يحيا حياة بدائية قد لايعلم عن العالم شيئا, لذلك فإن مايحدث بالجنوب يتحمل مسؤوليته كل عربي تغنى بالسودان ولم يقدم له شيئا فكانت النتيجة فقدان أكثر من ربع مساحته المقدرة بحوالي 2.5 مليون كلم، حيث تقام الدولة الوليدة على مساحة 700 ألف كلم ويبقى السودان الأم على مساحة تتنازعها مشكلات أخرى قد لايتوقف الأمر فيه على الجنوب فقط .
 
الدول الافريقية المحيطة بالجنوب وهي اثيوبيا وكينيا وأوغندا والكونغو وجمهورية إفريقيا الوسطى ظلت تمثل عمقا استراتيجيا للعالم العربي حتى فَتُر الاهتمام السياسي والاقتصادي بها فوجد الكيان الصهيوني الساحة خالية فبدأ تغلغله الذي كان ينتظر الفرصة السانحة لذلك.
 

ولنأخذ تأكيدا على مانقوله بتصريح رئيس هيئة الأركان الاسرائيلي السابق الجنرال حاييم لاسكوف بقوله "إن نجاح دولتهم في تطوير علاقاتها مع الدول الافريقية في غرب القارة خاصة تلك الدول التي تقع جنوب الصحراء والمناطق المتاخمة للدول العربية سيحقق لهم مكاسب كبيرة ويساعد على تلافي نقاط الضعف الاستراتيجي المتمثلة في إحاطتها بطوق عربي محكم والوصول إلى الظهر العربي المكشوف في ميدان لايتوقعه العرب" وهذا التأثير بدأ فعلا بالعبث بل والمطالبة بتعديل حصص مياه النيل للدول التي يمر عبرها والمقصود بذلك بالطبع السودان ومصر وذلك يعد أول الغيث في العبث بالأمن القومي العربي.
 
تداعيات الانفصال يجب ألا تمر على العرب جميعا مرور كرام لأنه يمثل زلزالا له تداعياته من مطالبات أخرى قد لاتتوقف عند السودان بل إن هناك أصواتا بدأت تنادي باستقلال كردستان العراق ، حيث طالب أخيرا رئيس الإقليم مسعود البرزاني في خطاب له أمام مؤتمر الحزب الذي يتزعمه بحق تقرير المصير لأكراد العراق ، وهي المطالب التي تنادي بها على استحياء بعض الأقليات في دول عربية أخرى وتنسجم مع مانشهده الآن على الساحة العربية من عدم استقرار سياسي واقتصادي في الكثير من الدول العربية قد يكون مؤشرا على حدوث تداعيات من شأنها تفتيت الدول العربية الكبرى ذات التأثير الدولي إلى شتات تتنازعه الأهواء مابين عرقي وسني وشيعي ومسيحي وهو ماسيدفع ثمنه غاليا الجميع ويومها لن ينفع الندم على ماكان؟

الخميس، 5 مايو 2011

رئيس سابق نشر بجريدة الراية القطرية بتاريخ17-04-2011م


رئيس سابق
بقلم- سامي زكريا
تاريخ نشر الخبر:الأحد 17/04/2011

http://www.raya.com/articles/rayaforum/Pages/2011-4-17-651.aspx

شاءت الأقدار أن يكون عام 2011 هو عام المفارقات والمفاجآت، بل سيكون عاما تردده الأجيال المقبلة، وتدرسه المناهج الدراسية، ويسجله التاريخ كعام فارق بكل ماتحمله الكلمة من معنى، بين حقبة كان لايستطيع أحد ذكر بعض القيادات والرموز في بلده إلا بما يرضيها، وحقبة جديدة يتحدى فيها كل شيء حتى القيادات؟.
هذه القيادات التي تعارف الناس على أن من وصل منها إلى سدة القيادة في أي منصب فإنها تظل لاصقة به حتى الوفاة، فلا يستطيع أحد زحزحته عن الكرسي الوثير الذي صعد إليه، ولايكتفي بذلك بل يسعى بكل السبل لأن يورثه لأبنائه، وكأن المنصب أصبح ضمن تركاته.
منطقة الشرق الأوسط والدول النامية عموما تعودت على الرئاسة الأبدية التي تنتهي بالوفاة أو بانقلابات عسكرية دامية، ولذلك فإن أي رئيس يصل إلى سدة الحكم تقوم الآلة الإعلامية الموجهة في خدمته بعملها الذي لايمل ولا يكل حتى يسيطر على أذهان قومه بأنه الأب والمخلص وبدونه ستؤول الأمور للأسوأ فتنطبع الرسالة على قلوب الضعفاء مع السيطرة الأمنية على المفكرين والشرفاء.
ماحدث بمصر لم يكن بالخيال أن يتم بهذا الشكل الذي تابعه العالم بأكمله، فقد كانت أقصى الأمنيات منذ عدة أشهر فقط مجرد إجراء تغيير وزاري يزيل بعض الوزراء ويأتي بغيرهم على أمل تحريك الوضع الراكد في كل المناحي، ولكن شاءت الأقدار أن تتطور الأمور يوما بعد آخر حتى إسقاط النظام بأكمله، فإذا برئيس يترجل كرسيه مكرها ومجبرا تحت هبة جماهيرية غير مسبوقة، ويصبح رئيسا سابقا، ثم يوضع تحت الإقامة الجبرية، ثم يحدث مالم يكن متصورا أن يقدم للمحاكمة.
أمران جديدان على منطقتنا، رئيس سابق، ويقدم للمحاكمة، قد يكون مقدمة وصورة عملية لمن يتقلد هذا المنصب بعد ذلك بأن الرئاسة لم تعد أبدية وأنه محاسب يوما ما على إدارته شؤون الحكم وعليه أن يتوخى الحذر في تعاملاته حتى لاينحدر سلوكه فيقدم لمحاكمة تسيء إليه ولأسرته وتاريخه بعد ذلك.
كثيرون هم الرؤساء أو رؤساء الحكومات الذين خدموا في الدول الأوروبية وأمريكا وغيرها ثم أصبحوا رؤساء سابقين، وتمنينا يوما في منطقتنا أن ينهي رئيس فترته بكل نزاهة، ويصبح رئيسا سابقا، فكم أحترم الرئيس الأمريكي الأسبق كارتر وهو يقوم بدور إنساني هنا وهناك وحصل على جائزة نوبل لقيامه بدور رائد في حل العديد من القضايا الشائكة، وكم أقدر المشير عبدالرحمن سوار الذهب الذي سلم القيادة راضيا ويؤدي دوره الإنساني على أكمل وجه بقيادة منظمة الدعوة في السودان وأدغال أفريقيا.
رئيس سابق يعد شرفا لمن أدى دوره في خدمة بلاده ثم سلم القيادة لغيره فهي وظيفة مثل كل الوظائف التي تمنح لأبناء الوطن، بل إن عبء هذه الوظيفة ومسؤوليتها أكبر من أي عبء آخر، لأنه مسؤول عن كل أبناء شعبه في كل مكان، ولذلك فإنه يجب أن يكون سعيدا بانتهاء فترة ولايته وخدمته لشعبه، فقد شاهدنا الرئيس البرازيلي السابق لولا دي سيلفا كيف قاد بلاده للديمقراطية والتطور خلال حكمه، وطالبه البعض بتغيير الدستور للبقاء في السلطة ولكنه أبى أن يخون ما التزم به من واجب احترام الدستور وسلم السلطة وهو في أعلى شعبيته.
مانديلا هذا الرمز الأفريقي الأصيل الذي ظل في سجون الحكم العنصري لجنوب أفريقيا ربع قرن من الزمان، فما تبدلت آراؤه ولاتغيرت مبادئه، ولم تغره سلطة، عندما استلم القيادة في بلده محررا، طبق الديمقراطية والتزم بها ورفض أن يظل على رأس الحكومة، ولو أراد لاستمر إلى وفاته ولكنها الإرادة النقية التي تسعى لمصلحة بلدها، فكان له حب العالم أبقى من سلطة منتهية لامحالة.
كم أتمنى أن أقابل رئيسا سابقا وهو يمشي في الأسواق، ويؤدي واجباته العائلية كمواطن عادي بعد أن يكون قد أدى دوره، وليس لديه ما يخفيه ويخيفه من أن يكون رجلا وفردا عاديا من أبناء الشعب، يعيش حياته بكل مافيها بلا حراسة ولا خوف، لأنه أدى ماعليه وسلم الأمانة لغيره يواصل المسيرة، ويعيش هو رئيس سابق يحترمه ويجله أبناء شعبه بل والعالم أجمع.
أرى أن مايحدث الآن بمصر العروبة لو استمر بنفس النهج والشفافية سنرى أويرى أبناؤنا وأحفادنا هذا اليوم الذي يكون فيه بينهم "رئيس سابق" استلم وسلم الأمانة وعاش بقية حياته معززا مكرما بين أسرته وأهله وبلده وجلّه العالم بأثره.
كاتب وباحث مصري

الطائر المصري بجناح خليجي


الطائر المصري بجناح خليجي

بقلم : سامي زكريا (كاتب وباحث مصري) ..



نشرت بجريدة الراية القطرية بتاريخ 01-05-2011م
  إذا كان الطائر لايأخذ حريته وينطلق عبر الفضاء الواسع محلقا ومتنقلا إلا بجناحيه، فإنني أعتبر مصر ذاك الطائر المحلق بجناحين أحدهما يرفرف شرقا وممتدا إلى دول الخليج، والآخر غربا عبر المغرب العربي.
عبر سنوات طوال انطبعت وجداننا صغارا ونمت على أمة واحدة، تنطلق عبر وحدة عربية تطل على بحار ومحيطات لها ثقل عالمي، فالخليج العربي وبحر العرب والمحيط الهندي مياه ملتفة وحاضنة لدول عربية أبية تمثل عمقا استراتيجيا لمصر من الشرق، وعلى الجانب الآخر يحتضن المحيط الأطلنطي والبحر المتوسط دول المغرب العربي وشمال أفريقيا ويمثل عمقا استراتيجيا مصريا من الجانب الآخر.

شرق مصر وغربها يمثلان جناحين لهذا العنفوان المصري الذي يتوسطهما، ويمثل الركيزة لكل منهما، والعون والسند إذا اشتدت الخطوب للدفاع عن أي منهما ضد أي تهديد يأتي شرقا أو غربا.
مصر عرف عنها عبر السنين أنها القوة الأساسية في المنطقة، فهي الشقيق الأكبر الذي يقود القافلة سلما وحربا، وعندما تداعى دورها وتقوقعت على مشاكلها الداخلية في العهد السابق، تدهورت الحالة المعنوية والسياسية للمنطقة كلها، ولهذا فإن من المآثر المنتظرة لثورة 25 يناير المصرية المجيدة أن تعود مصر بوهجها الأصيل لدورها المعهود والطبيعي للقيادة والدفاع عن المصالح العربية بعد هذا التراجع الذي ألم بها على مختلف الصعد.
القلق الذي ساور بعض الدول العربية خلال الأيام الماضية من تصريحات وزير الخارجية المصري بانفتاح مصر على كل دول العالم ومنها إيران هو توجس من حقبة جديدة كليا بعد ثورة فاجأت العلم كله، ولذلك فإن هذا التوجس منصب على سياسة مصر الخارجية، وماهي أولوية الملفات في الفترة المقبلة.
 من الطبيعي أن تكون التوجهات المصرية في الحقبة المقبلة أشد التصاقا وفعالية مع الملفات المهمة عربيا، وهي الملفات التي ماتركتها مصر حتى في الحقبة الماضية ولكن فترت قوتها التأثيرية على الصعيد الدولي لانشغال مصر بملفات التوريث والأمن وغيرهما مع إدراك عالمي بقوة مصر الكامنة.
مصر خلال المرحلة المقبلة يُقرأ من الإشارات الصادرة عن قياداتها أنها لن تتخلى عن الملفات الساخنة عربيا وخصوصا القضية الفلسطينية، والتي بدأت بوادر العمل الفعلي في أجندتها بتقريب وجهات النظر الفلسطينية بين السلطة وحماس، وربما خلال أيام تتم المصالحة الكاملة والاتفاق على أطر القيادة الفلسطينية الموحدة للتباحث مع العالم من منطلق موحد وبآراء متفق عليها، وهناك ملفات الجزر الثلاث والتدخل في الشؤون العربية من قبل دول لها توجهات إقليمية، وقد أعلن وأكد وزير الخارجية المصري نبيل العربي "وهو رجل يشهد له بالكفاءة" أن أمن الخليج خط أحمر لن تقبل مصر المساس به، بل إنه أثنى على التحرك الخليجي لدعم البحرين خلال الأحداث الأخيرة ما يؤكد دعم مصر الكامل لدول الخليج العربية ضد أي استهداف من أي قوى كانت، لأنه من غير المعقول ولا المقبول مصريا أن تمس الدول الخليجية بسوء في ظل ثوابت الثورة المصرية بعودة الدور الإقليمي والدولي لمكانته الطبيعية والدفاع عن مجمل القضايا العربية.
علاقة مصر مع الدول الخليجية هي علاقة تاريخية مميزة على جميع الصعد وليست وليدة اليوم فمصر دائما أبوابها مفتوحة لأشقائها الخليجيين وكذلك دول الخليج أبوابها مفتوحة دائما لأشقائها المصريين لأن بينهم علاقة ود بل ونسب بين كثير من الأسر هنا وهناك، ولا يمكن أن تؤثر فيها بعض وجهات النظر السياسية التي هي في الأساس تطلع للأخ الأكبر للقيام بدوره المأمول منه .

مصر ما تأخرت عن دعم أشقائها الخليجيين على مر السنين فقد فتحت أبواب العلم والجامعات لكل الدول العربية وقت أن كان التعليم عزيزا وهو ماتجسد بعد ذلك في وصول العديد من خريجي الجامعات المصرية لأعلى المناصب في بلادهم وكان له أثره في وحدة القرار العربي ووحدة الأفكار وهو ما أعتبره أرقى أنواع الدعم، ودول الخليج خاصة فتحت أبوابها أيضا لإخوانها للعمل والتعليم أيضا بعد إنشاء المدارس والجامعات وهناك العديد من المآثر بين الجانبين يصعب حصرها، وليس وقف تصدير النفط في حرب أكتوبر منا ببعيد فقد كان من أشد أنواع الدعم في انتصار أكتوبر المجيد وكذلك وقوف مصر بكل إمكانياتها لتحرير الكويت كان خير تجسيد للأخوة، وماتقوم به قطر الآن من تحرك لإعادة إخوانها المحاصرين في ليبيا لهو خير دعم عملي وتجسيد للأخوة وقت الشدائد.
مصر الجديدة يجب أن يقف معها أشقاؤها في هذه الظروف، لأنها تُبنى على أسس جديدة لتأخذ دورها الطليعي الذي كان يتمناه الأشقاء، ولذلك يجب دعمها بكل السبل لأنه التوقيت المناسب لذلك في ظل تخوف إسرائيلي مما يحدث، لأن مصر القوية قوة للعرب جميعا، ومصر الضعيفة ستعيد العرب جميعا عشرات السنين للوراء.